« صفعتُ وجهي »

بقلم : ليلى كوركيس

كيف يمكن لإنسانٍ أن يصفعَ وَجهَهُ إلا إذا كانت صدمتُهُ صاعقة وفجيعَتُهُ تجتاز حدودَ الصمتِ والصراخ. مبدعٌ هو كريم العراقي، الشاعر الذي تمكـَّنَ من أن يحفر هذه الصفعة-الكارثة على جدار القصيدة. ماهرٌ هو كاظم الساهر، الفنان الذي استطاع بحنكته الإبداعية أن يزوِّجَ الكلمة للحن « ويُقَولِبَ » بصوتـِهِ موسيقى « مُأبْجَدَة  » رَسَمَت حُدودَ نغماتها في مساحاتٍ ذهنية تصويرية لمدينةٍ ممزقة وحب متشرد.

كم هزتني تلك الصورة-الصفعة في الأغنية وكم استعنتُ بِها وأنا أتنقَّلُ من منطقة إلى أخرى، من بحرٍ إلى سهلٍ إلى جبلٍ في وطني الحبيب لبنان. مِن المؤلم جداً أن أستنجدَ بصفعة كي أعبـِّرَ عن حزني وخيبتي. أن أصفعَ وجهي يعني أن يغلبَني الواقعُ فأصبح طريحةَ بساطٍ لم يعد يقوى على الطيران، أهمَلَتهُ الريحُ فَسَقـَطَ في بئرٍ من الهزائم. أن أصفعَ وجهي يعني أن يتخلى عني الحلم، أن يخدعني القدر، فأكفر بالاثنين معاً.

كنتُ قد قررتُ أن أمضي عطلة صيف 2008 في لبنان وأنا أضع نظارات مواطنة مقيمة أي غير سائحة أو مصطافة-مغتربة. كنتُ أيضاً قد وعدتُ نفسي أن أكون صادقة وأكتب ما يمليه علي ضمري في ظل واقعٍ ليس ببعيد عن أجواءِ هدنة مفروضة بخط أحمر يحرِّمُ انتكاسات أمنية جديدة. بمعنى آخر، الحرب والسلام يتفيآن تحت ظل شجرةٍ واحدة، تَشَعـَّبَت في أغصانها الاتجاهات وظل الجذع واحد.. فالجاني والمجني عليه في وطني واحد وشعب بأكمله يصرخ من »خلف القضبان … كفى ملاماً فجلد الذات أدماني ».

صفعتُ وجهي مراراً وأنا أقرأ جرائد الصباح.. كلها خائبة. طروحات وتحاليل واتهامات وتصريحات موبوءة ..كلها موبوءة، تحمل كل شيء إلا الحلول. كلٌ يغني على ليلاه وكلٌ يدَّعي العمل لمصلحة لبنان وشعبه المهرول في مكانه.

صفعتُ وجهي وأنا أشاهِدُ نشرات المساء.. كلها مشؤومة. إدعاءات، مناقشات، تعديلات، واقتراحات فاشلة أو  » مُفَشَّلة  » بامتياز.

صفعتُ وجهي وأنا أستمعُ إلى تأففِ الموج وهو يتقلب من الأرق. يكررُ صيحاتهِ هادراً غاضباً هائجاً حتى الجنون. لو تمكنَ من السير لهاجرَ هو الآخر حاملاً طياته على ظهره تاركاً وراءه أفُقاً حزيناً مصلوباً أمام نِبال الظالمين.

صفعتُ وجهي وأنا أسير على الطرقات وفي الساحات  » المهرجانية الساحرة والمسحورة  » .. أليست تلك الساحات هي نفسها التي حملت أيضاً أسماء الشهداء على ألواح رخامية؟ أين سقطت كل تلك الأسماء؟ لأي سبب وبأي ثمنٍ رحل أصحابها ولم يرجعوا؟ أَلِكي نرسم مربعات أمنية داخل مربعات كالدمى الروسية ؟

صفعتُ وجهي أمام مرآة الشك وكأني أمتلك اليقين في أن ديمومة الألم هي السائدة وهي الأقوى وهي الحقيقة المرة لواقع أردناه للبنانٍ متجددٍ بأوجاعه. لم يعد لبنان هو لبنان. فلا صاحب الدار هو كلكامش كي يحصَّنَ أرضَه بسورٍ منيعٍ تربطهُ الأسطورة بتاريخه، ولا الزائر بـ « غيور » كي يرتدي ثوب انكيدو ويدافع عن صديقه بوجه الطغاة. كل الساحات والطرقات والفنادق والمطاعم وحتى الأشجار وأعمدة الكهرباء إمتلأت بالبشر، فرحلت الطيور وحل مكانها قاطنون، سياح وغرباء. رأيتهم جميعهم عراة، يركضون حفاة نحو مستقبل دون غدٍ، مظلمٌ هو! أُطفِئت فيه كل الأنوار.

وفكرتُ، من قال ان السياحة هي من علامات الاستقرار في لبنان؟ سياحة إجبارية قد بدت! غَسَلَ بها بعض  » الزعماء » وجوهَهُم للتكفير عن أخطائهم الفادحة التي دفع ثمنها اللبناني لسنوات طويلة مديدة .. أطول من عنق الزمن. لا! لستُ ضد السياحة ولا ضد الأصدقاء! ولكني أرفض أن يحولني ذاك الصديق الى غريبة أستجدي في داري غرفة! فأهاجر في هجرتي الى هجرة جديدة !!
صفعتُ وجهي وأنا أهذي  » أهذا يا زمن » لبنان المميز عن سواه؟ وتساءلتُ: كم يلزمهم من الوقت بعد كي يبدلوا وجهَه ليصبحَ مثل الدول الأخرى فتسقطَ خصوصيتُه كأوراق الخريف ورقة تلو الأخرى؟

صفعتُ وجهي وأنا أغادر، كأنه الوداع .. في حقيبتي ألف رجاء ورجاء أن تتفتح العقول فيعود لبنان الى لبنان. هناك .. حيث اليأس لا يجوز! علَّقتُ أمنياتي للمرة الألف على شجرة أرزٍ ولَمْـلَمْتُ أوصالي كي أرحل بجسدٍ يتيمٍ يبحثُ عن روح تسكنه ووطنٍ تشعلهُ الحروب دون أن تحرق ذكراه الخالدة في الكتبِ وفي ذهني.

Publicités