أريدُ حَلاً بلا حدود

بقلم: ليلى كوركيس

باسم الشمس والأرض والكواكب الأخرى..
باسم الماء والهواء والتراب..
أعلنُ خيبتي وحسرتي على رموز تاريخي المغدور به والمأسوف على خلوده المزمن المدمي…

أوجدني الخالق ووهبني كل النِعَم:
خدّ تلثمهُ الأمواج وآخر متكئ على سلسلة جبال شاهقة تدر الماء والعسل لسهول خضراء تلتحف فضاءً معطاءً من شمس دائمة « الصبا والجمال » وغيوم كريمة تطل وتسقيني كلما شحّت ينابيعي وذبلت حقولي وغاباتي.
أحبني الخالق كثيراً فحرمني من النفط كي يحميني من لعنته. لكن مصافي الآخرين لم توفرني فأحرقت بلعناتها صفائي وسلامي ومزقت شعبي كي تصبح أرواح شهدائي « قطعة من السماء ».

لا تتساءلوا من أكون. أنا لبنان « الأخضر الحلو » أفتح لكم قلبي التَعِب كي تصغوا الى ضرباته قبل أن تفر الى العالم الآخر.

كلكم تناحرتم على حبي وكلكم إدعيتم أن « المؤامرة » هي وراء كل المصائب التي حلّت بي وبكم متناسين أنكم أبطالها وأنكم قد شاركتم، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بنسج خيوطها ورميها في سمائي كشماعة تعلقون عليها أخطاءكم وتغسلون أيديكم قبل المبيت.
خلقتم من تلك « المؤامرة » قرارات، إتفاقات، مؤتمرات، حروب ومقاومات عديدة ومديدة، فكانت المقاومة الفلسطينية التي إستباحت حرمة الضيافة حين قررت أن تشق درب العودة « الى القدس من جونية وبكفيا » فاشتعلت نيران الولاءات الطائفية على أرضي وتطايرت النظريات والايديولوجيات القومية في سمائي ليختلط « الحابل بالنابل » ويحترق « الأخضر واليابس »، فالتهمت إسرائيل قسماً من جنوبي ومياهه بحجة الدفاع عن أمنها الشمالي وطارت « القضية » ولم يبقَ منها سوى حجارة تتألم في فلسطين.
أتت بعدها مقاومات « وطنية » كثيرة ومتلونة بإنتماءاتها وحلفائها  لتعلنَ عن إستمرار عملياتها حتى إسترداد آخر شبر من أراضي « مزارع شبعا » فطار الجنوب بليطانه وروابيه، ونام من نام في آخر ليلنا الطويل مرتاح الضمير لأنه ذرف الدمع وطبل وزمر بأهم الخطب مندداً بالظلم والطغيان دون أن ينسى أن ينوهَ بالنضال والدفاع عن قضايانا الكبرى والصغرى اللامتناهية.
لستُ في وارد المعاتبة بل اني أحاسبكم بعد أن تسلق الموت هضابي كلها وارتجفت رقاب الأرز على الجبال.
كلٌ قاوم على طريقته وبلغته ولكن أحداً منكم لم يرحمني!

إنكم يا أبنائي أبطال.  لعبتم أدواراً مهمة في مسرحية الحروب الباردة والساخنة لتلك « المؤامرة » التي جمعتكم بالفلسطينيين والعرب والأميركان والسوفيات ووو…فإنكم قد سمحتم بأن تنطلق « الثورة » من أرضي بعد أن أقصيت عن الأردن وسوريا وعن كل بلد عربي آخر مجاوراً كان ام غير مجاور لإسرائيل.
كل الإحتلالات إستعارت أرضي لتصفية حساباتها ولتمرير مصالحها الكبرى في مساحتي الصغرى وأنتم تتقلَّبون تارةً على اليمين تارةً على اليسار في ليلٍ فَقَدَ خيوطه الأولى والأخيرة.

آه لو تعلمون كم تندبني الآلهة في معابدها وقبورها وكم أتألم كلما هطلت الصلوات والأدعية كاللعنات على رأسي ولطمت ضربات الحداء أجساد أمهاتي المتورمات حزناً على الأبناء!
صمتَ الصمتُ أمام خطاياكم وأخطائكم وأنتم لا زلتم تتهافتون على شحوب قرار وبئس إتفاق وخبث تعاون في وعود ناسفة ومساعدات نائحة مثل قصيدة حزينة غائمة…
هلكت القرارات وكفرت بتطبيقات بنودها وأنتم لم تتعبوا .. أراكم تجرعون المسكنات لحلول آنية مؤقتة ريثما تغفو ضمائركم قليلاً.
فَتَحتم داري لكل من ادعى الأخوة وسهلتم الطريق لكل من أراد تفكيك أي رمز من رموز الدولة على أرضي وراهن على إسقاطي في هوة المصير الفلسطيني والمسار السوري والمحراب النووي الايراني-العالمي.
الكل إتهم الكل بالعمالة حتى صرتُ مسلخاً للجلاد وللضحية.

هل تعلمون انني قد أُصبتُ بعدوى قراءة الصحف اليومية فيصيبني الغثيان كلما نقرتُ كالعصفور خبراً أو تصريحاً وقلبتُ بتنهيدتي صفحة لأقرأ هماً جديداً لحل جديد؟!
وأية حلول تلك التي تراصت علة تلو علة على خنجر ضالٍ همجي التصويب يحفر في خاصرتي.

نعم أريد حلاً يتخطى المعقول وغير المعقول، أريد حلاً بلا حدود آتياً من خفايا العجائب وهلوسات الكتب والتاريخ القديم والجديد .. أدويتكم قد نخرت عظامي ولم تشفني .. أريد حلاً ينقذني من كل المتخمين ظلماً وغدراً وشذوذاً سياسياً فاسدا.ً
أريد أن ترحموني وأن يعتبرني العالم أجمعه محميةً إنسانية صغيرة.. فأقفزوا من فوقي واستحموا في آبار النفط الكبيرة ما شئتم .. أنا لا أملك سوى كفين صغيرتين واحدة ترسو عليها سفني وتستحم فيه الشمس وآخرى تنام على سفوحها الغيوم ويغفو على جبينها القمر.

Publicités