ديوان « هناك هنا وأنا » إكتشاف شعري سعيد

بقلم :  دكـتـور زاهــي ناضــر

أشكر بيت الشباب والثقافة ورعية مار ضومط على تنظيم هذا الحفل، وأشكر على نحو خاص السيّدة دلال غصين التي أفسحت لي في المجال للتعرّف إلى السيدة ليلى كوركيس فكانت، بالنسبة لي، اكتشافًا شعريًا سعيدًا، ووجدت نفسي، بعد هذا الاكتشاف محظوظًا بالدعوة إلى المشاركة في هذا اللقاء، حول تجربتها الشعرية الثانية، لأن هذه التجربة هي بالفعل رحلة مثيرة وغنية وخصبة. وأودّ في هذه الفسحة القصيرة من الوقت أن ألقي الضوء على بعض الملامح التمييزية لهذه التجربة التي تحتمل دائمًا تأويلات متعدّدة.

التقنية الشعرية واتحاد النغم والمعنى

تتميّز السيّدة ليلى بإتقان فلسفة البناء الفني لشعرها المنثور. فكلّ قصيدة من قصائدها، في بنيتها الحيّة، وتشكيلها الموسيقي، وأبعادها الإيحائية، إيقاع، ونغم، ولحن و »نقش للمعنى » (ص 78)، « وعزف عذب على أوتار القلب ». وعزفها ليس منفردًا، بل حوار حيّ وجداني مع الآخر، وسعي للكشف عن أسرار الوجود ورموزيته الحميمة. وفي كلّ حوار هناك نوافذ للتساؤلات والاستفهام ووعي حاد بالذات، وبالعالم والأشياء. ويجعل هذا الوعي من شعرها رسالة ومعنى، وأدبًا متجددًا وجدلية عميقة.

الشعر التجاوزي

مما لا ريب فيه أن شعر ليلى كوركيس يعبّر عن شخصيتها بكل أبعادها الفكرية والعاطفية. فهو ينبع من تصوّرها لذاتها ولواقعها، ويستقي موضوعاته من حياتها بكل تفاصيلها البسيطة، ومصادفاتها الغريبة. لكنّ هذا الشعر، في صميمه وتطلّعاته تجاوزي. فهو أبعد من ذاتها، وأبعد من أنوثتها، ويطال في محرّكاته الرمزية الأنوثة الجوهرية الخلاّقة، ويرتقي إلى الأمومة الكونية (ص 24)، واهبة الحياة والنسل، والغذاء، « وتحمل العالم في أحشائها » (ص 11، 10). وهي وعد بخيرات لا تنضب. وتتماهى الشاعرة، في هذا السياق، مع الأرض الأم، واليمّ، ورمال الصحراء، والرياح التي تلف الكون. وتتجلّى، أكثر ما يكون في الرموز السماوية النورانية (كالشمس، والقمر)، ورموز الخصب، والميثات الحيّة الخلاّقة.

وفي هذا الشعر الذي ينتمي تمامًا إلى الأدب الأنثوي، تتغلّب صورة الأنوثة، ومقامها، وفعاليتها، على صورة الذكورة. وتتبدّى ليلى في هذا المجال، في حالة من العتب، أو اللوم، أو الغضب، أو التمرّد على تلك الصورة الذكورية في بنيتها الفصامية، وأثرها الطاغي، والمتسلّط تاريخيًا. فالرجل، في نظر الشاعرة، لا يزال يجهل كينونة المرأة « ومساحاتها الخصبة » (129)، فإذا عرفها وجدها « أمًا بثوب إله »، والكون لا يدرك من دونها.

هناك هنا وأنا وتجربة الإرتحال

تستنخدم السيّدة ليلى في بناء أشعارها لغة التجارب الحياتية، ومن بين أهمّ تلك التجارب التي عايشتها، وكان لها الأثر الكبير على تكوينها النفسي، تجربة الإرتحال والغربة داخل نفسها وخارجها، بين « هناك وهنا ». فهي، من ناحية، تحضن في روحها « هناك » أي أرض الوطن، أرض الأجداد والآباء، الأرض التي تحمل شيئًا من روح الله (ص 112)، ومن روح أخيها وذكراه وتراب جسده (ص 7)، حيث الألم والحسرة والزمن المقهور. لكن أرض الوطن في محنة، وحالة جنون وحروب (ص 43)، ويعبث في ربوعها الكثير من المهرّجين والدجّالين الذين يتاجرون بالهيكل وأرواح الناس.

وبالمقابل تنطوي روح الشاعرة على « الهنا »، أي على أرض الاغتراب، أرض كندا، الأرض الملجأ وعنوان الحداثة والمعاصرة، لكنّها أيضًا أرض « الجذور المقتلعة »، و »الدروب الغريبة ».

وهذه  التجربة الثنائية المشتركة بين « هناك وهنا » تتملّكها، أي تُصبح « الأنا »، أي المزيج الذي يختفي بظلّ أصوله وذكرياته، ويختفي ظلّ الغربة فيه. وهذا لا يعني الانشطار، وإنمّا الوحدانية التي تجدّد نفسها أمام التغيّر والرحيل، من خلال روح مكان يضرب جذوره في « وطن أبعد من اللانهاية » (ص 100).

الحب بين ليلى وشهرزاد

يزخر هذا الديوان بقصائد الحب والتجارب العاطفية. والحب عند الشاعرة، بكل حميميته وناره ودروبه المعقّدة، أفضل تجلّيات الأنثى، وأشدّ مشاعرها قوّة وعلائية. فإذا أحبّت فهي ليلى، « الأنوثة الباهرة »، بطلة أشهر حكايات العشق في التراث العربي الشعري، المتوقّدة جسمًا وكيانًا كشمس الصحراء ورمالها، وتجمع في شخصها بين رموزية الطهارة وتقديس الشهوة.

والشاعرة في عشقها هي أيضًا شهرزاد الحكاية، « مدمنة الحياة » (ص 103)، وبطلة « ألف ليلة وليلة »، رمز السحر والقبض على الأنفاس، ومن مواصفاتها أنّها تدور في رأس كل رجل.

لكنّ الحب عند الشاعرة لا يرتهن، ويأبى « الورود الكاذبة » (ص 28، 55)، والسطحية والمجانية، ولا يتقبّل العاشق المقنّع، المزيّف، الذي يغدر ويكابر، ويكتفي بالمظاهر والحدود النفعية، ولا ينزح إلى عمق أعماق جمالية كيان الأنثى، وقد يحوّل مدينة العشق إلى « مدينة منكسرة » (ص 41).

وتعلّمنا الشاعرة في كلّ تلك النماذج أنّ الحبّ هو عيد من أعياد الجسد والروح، وينبوع التجربة الحقيقية للوجود، والمحرّك الذي يساعد على تفجير الشحنة العاطفية، والومضة الذهنية في عروق الشعر.

عاشقة المسافات

يحمل الديوان قصائد لا يمكن التفتيش عن معناها خارج رؤية الشاعر الخيالية ومفهومه للوجود. والملفت، في هذا السياق، أنّ السيدة ليلى تعشق المسافات والطواف والإبحار، « والعوم في التيار » (ص 89). وتودّ أن تقترب من أقاصي الأرض، « وتغوص في عمق الدهر » (ص 75)، وتطلّ على الأفق، وميتافيزيقا النقاء، لتتنفس هواء الحّرية، « وترسم الكون لها جسدًا ». (ص 11).

ويستوقفها في هذا الإبحار الخيالي سحر الشرق، وطقوسه، وتراث أجياله الماضية، « وضفاف الرافدين، وقصب أور وقصص الطوفان، وملاحم عشتار  » (ص 112)، والحكايات الأسطورية عن الموت، والبعث من جديد (ص 118).

والشاعرة في ترحالها تنصت إلى الوجود « لتختلس البقاء »، وتتمتع برحيق الزمن (ص 93). لكن البشر أين ما حلّت، ليسوا سعداء، وأسرى الصراع. والعالم يسمح باستقراء نظام متعدّد الأشكال للقلق أمام الزمن، ويبدو أنّه مرتهن للأمل والخيبة، للمتعة والمرارة، للفرح والحزن، ويتجانس فيه العشق والحقد (ص 48).

وبسبب هذه النظرة الفصامية إلى الوجود يزخر شعر السيّدة ليلى بنزعة درامية، ويلبس الحب عندها ذلك « الديالكتيك الوجودي » الذي يتميّز في استبقاء المتناقضات والتقابلات الضدّية، ويضع العاشق أمام المشكلة نفسها، بحيث يظهر دائمًا أنّه معرّض لخطر المعاناة او الشقاء.

الرؤية المتمرّدة

تحمل الشاعرة في أعماقها « رغبة متمرّدة غامضة » (ص 89)، تغمر العديد من قصائد ديوانها. وترتبط هذه الرغبة إلى حدٍ كبير، بفكرتها عن الحرية، ومعاناتها، والمطالبة بالحقوق الحياتية الطبيعية للكائن (ص 103، 112). ولا يصبح المتمرّد، في رؤيتها، شيئًا إن لم يكن ثائرًا بدون قيود (ص 47)، يحطّم الواقع السيء، ويشعل النار في هشيم التقاليد التي تحتفظ دائمًا بخلفية المحرّمات.

على هذا الأساس من التمرّد يشكّل الشعر، بالنسبة إلى ليلى، مدخلاً لموقف ميتافيزيقي وأخلاقي، ويصبح حاجة وأمنية، « وسلاحًا لامرئيًا » للدفاع عن كينونة الإنسان وأصالته الوجودية.

كلّ ما أتمنى أن يعمّ التعرف إلى شعر ليلى كوركيس، على أكبر عدد ممكن من المثقفين اللبنانيين، لتنال هذه الشاعرة حقّها من التقدير، وتحتلّ المكانة التي تليق بها بين شعرائنا. كما أتمنّى أن تتكرّم علينا بالمزيد من الإبداع الشعري، لأن الشعر بجماليته، وتصوّراته وأحلامه، يضفي على حياتنا مسحة جمالية، ويقهر عدمية الزمن والموت.

* دكتور زاهي ناضر: أستاذ جامعي (فلسفة وأدب)، عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين، وأمين عام الهيئة التأسيسيّة لاتحاد الفلكلوريين العرب.

Advertisements